اعتراف مستحق.. تكريم أقدم بائع كتب بشوارع الرباط

حجم الخط:

هبة بريس -إ.السملالي

تحت ظلال الاحتفاء المهيب بالرباط عاصمةً عالمية للكتاب، وفي لحظةٍ تجردت فيها البروتوكولات من صرامتها لتفسح المجال لدفء العرفان، انحنت المدينة إجلالاً لواحدٍ من حراس ذاكرتها الورقية.

حين اعتلى محمد عزيز المنصة، لم يكن يجرّ خلفه سوى عقودٍ من الصبر والمثابرة بين جنبات شوارع العاصمة، لكن تصفيق الحاضرين الذي هزّ أركان القاعة كان كفيلاً باختزال حكاية وفاء نادرة.

هذا الرجل، الذي اتخذ من الرصيف وطناً ومن الكتب رفيقاً، لم يجد نفسه غريباً وسط هالات الضوء ففي ملامحه التي رسمها الشغف قبل الزمن، قرأ الجميع تاريخ الرباط الثقافي الذي يتنفس بعيداً عن صالونات النخبة، ليكون تكريمه بمثابة “مبايعة شعبية” لرجلٍ جعل من مهنة بيع الكتب رسالة وجودية لا مجرد تجارة عابرة.

إن هذا التكريم يتجاوز في أبعاده الاحتفاء بشخص محمد عزيز، ليصيغ اعترافاً صريحاً بالدور الحيوي الذي يلعبه “بائع الرصيف” في تشكيل الوجدان الجمعي.

و كان “عمي عزيز” عبر مسيرته الطويلة بمثابة بوصلة معرفية للأجيال المتلاحقة من الطلبة والباحثين، محولاً ركنه الصغير إلى جامعة مفتوحة لا أبواب لها ولا أسوار.

إن الالتفاتة إليه في زخم إطلاق برنامج دولي ضخم، هي صرخة وفاء تؤكد أن الرباط لا تستحق لقب عاصمة الكتاب إلا بمقدار وفائها لهؤلاء المرابطين على ثغور القراءة ،لقد أعاد هذا المشهد الاعتبار للحرف في صورته الأكثر إنسانية، مبرهناً على أن الثقافة الحقيقية هي تلك التي تنبت في الشوارع وتكبر في قلوب البسطاء، قبل أن تُتوج في المحافل الرسمية.