هبة بريس – محمد منفلوطي
انتهت فترة العناق بطعم النفاق والتحالف بطعم المصالح الشخصية لدى البعض، واشتد التنافس بين أصدقاء الأمس الذين صاروا أعداء اليوم، وتحولت المجالس والتجمعات إلى حبل لنشر غسيل الخصوم وتمرير الخطاب المعسول أملا في حجز مكان أو انتزاع بطاقة عبور عبر ممر ” آمن يوصله صاحبه إلى مسك ورقة التزكية بيده”، في مشهد سياسي مليء بالمفاجآت والحكايات الانتخابية.
هنا يُطرح التساؤل حول المعايير التي تعتمدها الأحزاب في اختيار من يمثلها بقبة البرلمان، هل يعود الأمر إلى الهياكل المحلية والتنظيمات الاقليمية لكي تكون لها كلمة الفصل والحكم وقرار الاختيار؟ أم أن القرار سيكون فوقيا بصفقة ظرفية؟
الأستاذ رشيد ملوكي أستاذ القانون العام بكلية العلوم القانونية والسياسية بسطات، تفاعل مع موضوع منح التزكيات الانتخابية بتدوينة طويلة عريضة قدم من خلالها تحليلا مفصلا وقراءة من كل الجوانب.
وقال الأستاذ رشيد الملوكي، إن ظاهرة التزكية الحزبية للترشيح للانتخابات، تطرح إشكالا عميقا يتجاوز مجرد تدبير داخلي لهذه العملية، ليطال جوهر الفعل السياسي نفسه… فحين تتحول التزكية من آلية تنظيمية قائمة على معايير موضوعية، كالتدرج النضالي، والكفاءة، والحضور الميداني، والالتزام بالقيم الحزبية، إلى مجرد قرار فوقي أو صفقة ظرفية، فإننا نكون أمام تفريغ للممارسة الحزبية من محتواها الديمقراطي.
وأضاف بالقول: “فعندما يمنح الحزب تزكية دون اعتبار للمقومات التنظيمية، لا يخل فقط بمبدأ تكافؤ الفرص داخل هذا الإطار التنظيمي، بل يضرب في العمق فكرة الانتماء ذاتها، حيث النضال الحزبي، في تصوره الكلاسيكي الصائب، هو مسار تراكمي يقوم على التضحية، والصبر، والعمل القاعدي اليومي، غير أن هذا المسار قد يختزل فجأة حين يفاجأ المناضلون، اللي كيقطعو السباط كما يقال، بقدوم عناصر لم تساهم في البناء التنظيمي، لكنها تحظى بفرصة الترشح، بل وأحيانا بالفوز”.
وشدد الدكتور رشيد ملوكي، على أن هذا التحول يولد نوعا من الإحباط، يكون في كثير من الأحيان صامتا داخل القواعد الحزبية، ويؤسس لما يمكن تسميته بـالاغتراب التنظيمي، حيث يشعر المناضل أن جهده لا يترجم إلى اعتراف، وأن الولاء لم يعد معيارا كافيا، بل ربما لم يعد مطلوبا أصلا، وفي المقابل، يتكرس منطق الزبونية السياسية، حيث تصبح التزكية رهينة علاقات شخصية، أو حسابات انتخابوية ضيقة، أو حتى اعتبارات مالية أحيانا”.
وحذر المتحدث من هذا السلوك حيث قال: “الأخطر من ذلك، أن هذا السلوك لا ينعكس فقط داخل الحزب، بل يمتد إلى صورة الفعل السياسي في نظر الرأي العام، فحين يلاحظ هذا الأخير أن التنظيمات الحزبية لا تحترم قواعدها الداخلية، يفقد الثقة في قدرتها على تدبير الشأن العام وفق مبادئ الشفافية والاستحقاق، مما يفتح المجال أمام العزوف السياسي أو أشكال أخرى من الاحتجاج”.
وأضاف الأستاذ رشيد ملوكي أن تفكيك هذه الظاهرة يقتضي إعادة الاعتبار لمنطق الاستحقاق داخل الأحزاب، عبر إرساء معايير واضحة وملزمة لمنح التزكيات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الديمقراطية الداخلية بشكل فعلي لا صوري. فبدون ذلك، سيظل الحزب فضاء هشا، أكثر مما هو عليه، تتنازعه الولاءات الظرفية، ويغيب عنه المعنى الحقيقي للانتماء، كون الحزب الذي لا يكافئ مناضليه، ولا يعترف بتراكمهم النضالي، إنما يقوض نفسه بنفسه؛ لأنه ببساطة يزرع في داخله بذور فقدان الثقة، ويحول السياسة من التزام إلى مجرد فرصة عابرة لاقتناص ثمرة لم تسق بجهد حقيقي…
وخلص الدكتور رشيد ملوكي إلى حق القول بأن مواجهة هذه الظاهرة تقتضي إعادة تصحيح الرؤية والمسار داخل الأحزاب السياسية، عبر إعلاء منطق الاستحقاق وربط التزكية بالمسار النضالي، بما يضمن معافاة الجسم الحزبي واستعادة الثقة في الفعل السياسي…
