هبة بريس – ع محياوي
في قلب المدينة العتيقة لفاس، حيث تتجاور الأسواق التقليدية والدكاكين العتيقة وتتعاقب الأجيال على حفظ تفاصيل الحياة اليومية، لا تزال بعض الأطعمة تحتفظ بمكانة خاصة في الذاكرة الجماعية للفاسيين. ومن بين هذه الموروثات الغذائية يبرز الخليع الفاسي، باعتباره أكثر من مجرد طبق تقليدي؛ فهو جزء من ثقافة المائدة التي ارتبطت بعادات الأسر الفاسية عبر أجيال.
ويحضر الخليع في الذاكرة الشعبية باعتباره طريقة تقليدية لحفظ اللحم، تعتمد على تجفيفه وتتبيله وتخزينه وفق أساليب متوارثة، قبل استعماله في إعداد أطباق مختلفة. وهي ممارسات تعكس، في جانب منها، طبيعة الحياة الغذائية القديمة التي كانت تقوم على الاستفادة من المنتجات وحفظها لفترات طويلة.
وفي أزقة المدينة العتيقة، ظل حضور الخليع مرتبطاً بالأسواق التقليدية وبالمطبخ المنزلي، حيث كانت الأسر تتناقل طرق إعداده وتحافظ على تفاصيله من جيل إلى آخر. ومع مرور الزمن، تحوّل هذا الموروث الغذائي إلى أحد العناصر التي تستحضر من خلالها الذاكرة الفاسية ملامح الحياة اليومية في الماضي.
ولا تقتصر قيمة الخليع على طريقة تحضيره أو مذاقه، بل تمتد إلى ما يحمله من دلالات اجتماعية وثقافية؛ فهو يفتح نافذة على عادات الضيافة، وتقاليد تدبير المؤونة، ومكانة الطعام داخل الأسرة المغربية التقليدية.
ورغم التحولات الكبيرة التي عرفتها أنماط العيش والتغذية، ما زال الخليع حاضراً في عدد من البيوت والمحال التقليدية، وإن اختلفت طرق إنتاجه واستهلاكه من جيل إلى آخر. وبين من يراه طبقاً تراثياً حافظ على حضوره، ومن يعتبره جزءاً من ذاكرة المدينة العتيقة، يبقى الخليع واحداً من المكونات التي تساعد على قراءة جانب من تاريخ المائدة الفاسية.
الخليع الفاسي ليس مجرد مذاق من الماضي، بل حكاية تختزنها الذاكرة وتتناقلها الأجيال، تماماً كما تتناقل المدينة العتيقة أسرار أزقتها وأسواقها ومعالمها.
