هبة بريس – محمد ضاهر
في زوايا المدينة العتيقة لمدينة مراكش، حيث تختلط تفاصيل الحياة اليومية ببساطة المكان وعمق العلاقات الإنسانية، تشكلت قصة مختلفة لطفل لم يكن طريقه مفروشًا بالسهولة، لكنه وجد من يفتح له الأبواب حين أغلقتها الظروف. إنها قصة رضا اشتيا، التي لا تُقرأ فقط كنجاح فردي، بل كنموذج حيّ يعكس تحولات ممكنة في فهمنا للتربية والإدماج.
رضا، الذي واجه منذ سنواته الأولى صعوبات في النطق والتواصل والتعلم، لم يكن استثناءً في واقع يعيشه عدد من الأطفال الذين يجدون أنفسهم خارج النسق الدراسي التقليدي. غير أن ما ميّز هذه التجربة، هو الطريقة التي تم بها التعامل مع هذا التحدي داخل أسرته، بعيدًا عن منطق الاستسلام أو الانتظار.
في قلب هذه القصة، تقف سعاد خويا، أستاذة التعليم الابتدائي، التي قرأت معاناة ابنها كإشارة لضرورة الفعل، لا كحكم نهائي. لم تنظر إلى صعوباته كعائق، بل كمدخل لفهم أعمق لاحتياجاته، فاختارت أن تعيد بناء مساره التعليمي على أسس مختلفة، تقوم على التدرج، والتكييف، والتفاعل المباشر.
داخل فضاء منزلي بسيط، تشكلت تجربة تربوية قائمة بذاتها، حيث تحولت الحصص اليومية إلى لحظات تعلم مرنة، تُصاغ وفق إيقاع الطفل، لا وفق إكراهات البرامج. ومع مرور الوقت، بدأت النتائج تظهر، ليس فقط على مستوى النطق، بل في القدرة على الفهم والتعبير والانخراط.
ولعل المفارقة التي تحمل الكثير من الدلالات، هي أن رضا وجد نفسه أكثر انسجامًا مع اللغة الإنجليزية، التي اكتسبها بشكل تلقائي من خلال محيطه اليومي، في حين ظل المسار الدراسي التقليدي أقل قدرة على مواكبة تطوره. وهو ما يعيد طرح إشكالية التنوع اللغوي ومرونة الاختيارات داخل المنظومة التعليمية.
غير أن التحول الحقيقي في هذه القصة، لم يتوقف عند حدود إنقاذ مسار طفل، بل امتد ليؤسس لمسار مهني وإنساني جديد للأم. فقد اختارت سعاد خويا أن تُحوّل تجربتها الشخصية إلى التزام عملي، فانخرطت في مجال التربية الدامجة، لتواكب أطفالًا آخرين يواجهون نفس التحديات، وتقدم دعمًا حقيقيًا لأسر تعيش نفس القلق.
بهذا المعنى، لم تعد القصة قصة رضا فقط، بل قصة فئة كاملة من الأطفال الذين يعانون في صمت، وتحتاج أصواتهم إلى من ينقلها، وتجاربهم إلى من يفهمها. وفي هذا الإطار، شكل انخراط رضا في برلمان الطفل تتويجًا رمزيًا لمسار طويل، وانتقالًا من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل.
اليوم، يقف رضا كواحد من النماذج التي تؤكد أن الإدماج ليس شعارًا، بل ممارسة يومية تتطلب إرادة، وتكوينًا، وبيئة حاضنة. كما تبرز قصته أن الأسرة، حين تمتلك الوعي والأدوات، يمكن أن تلعب دورًا حاسمًا في إعادة توجيه المسارات.
قصة رضا اشتيا ليست فقط حكاية نجاح، بل دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في الطريقة التي ننظر بها إلى الأطفال في وضعية صعوبة. فبين الهامش والمركز، توجد مسافة لا تُختصر في القوانين فقط، بل في الإيمان الحقيقي بأن لكل طفل مكانه… إذا وجد من يمنحه الفرصة.
